الشيخ عبد الله العروسي
313
نتائج الأفكار القدسية في بيان معاني شرح الرسالة القشيرية
موهب ، عن عائشة رضي اللّه عنها قالت : « قلت يا رسول اللّه وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ [ المؤمنون : 60 ] هو الرجل يسرق ويزني ويشرب الخمر قال : لا ولكن الرجل يصوم ويصلي ويتصدّق ويخاف أن لا يقبل منه » ) « 1 » ذلك فيه دليل على أن الخوف يكون مع كمال طاعة العبد لكونه لا يعرف صحة عمله ، ولا قبوله لخفاء ما يطرق الأعمال من الآفات . ( وقال ابن المبارك رحمه اللّه : الذي يهيج الخوف حتى يسكن في القلب دوام المراقبة في السر والعلانية ) إذ الحامل على دوامها إنما هو قوّة الخوف من لحوق الضرر فبتوالي الخوف على القلب تحصل امراقبة وعلامة سكون الخوف في القلب تواليه فيه حتى يصير كأنه ساكن فإن الأعراض لا بقاء لها . ( سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت محمد بن الحسن يقول : سمعت أبا القاسم بن أبي موسى يقول : سمعت محمد بن أحمد يقول : سمعت عليا الرازي يقول : سمعت ابن المبارك رحمه اللّه يقول ذلك ) أي : الذي يهيج الخوف الخ . ( وسمعت محمد بن الحسن يقول : سمعت أبا بكر الرازي يقول : سمعت إبراهيم بن شيبان يقول : إذا سكن الخوف القلب ) بأن توالى عليه ( أحرق مواضع الشهوات منه وطرد رغبة الدنيا عنه ) لأن الخوف يحجز عنها أو يمنع من الوقوع فيما اشتملت عليه من البليات ومن ثم كانت الدنيا رأس كل خطيئة وخوف اللّه تعالى باب كل خير . ( وقيل : الخوف قوّة العلم بمجاري الأحكام ) أي : بتصرف اللّه في خلقه من هداية وإضلال وعافية ومرض وغيرها فمن قوي علمه بذلك لم يأمن على نفسه وإن كانت في أفضل المقامات والأحوال ، وهذا العلم سبب الخوف لا نفسه فعبر عنه بسببه كما عبر الثوري عن الزهد بقصر الأمل ( وقيل : الخوف حركة القلب وقلقه من جلال الرب ) وعظمته ، فمتى استشعر القلب نظر الرب إليه في حالته التي هو فيها ، وإن كانت أفضل عباداته اضطرب قلبه واقشعر جلده ووجل كما قال تعالى : إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ [ الحج : 35 ] . ( وقال : أبو سليمان الداراني : ينبغي للقلب أن لا يكون الغالب عليه إلا الخوف فإنه إذا غلب الرجاء على القلب فسد القلب ثم قال ) لتلميذ له اسمه أحمد لما رأى منه ميلا إلى الرجاء ( يا أحمد ) القوم ( بالخوف ارتفعوا فإذا ضيعوه نزلوا ) ومع ذلك فإذا استقامت أحوال العبد كان الكمال في استواء الخوف والرجاء في القلب من غير إخلال ، وهو الذي أوصى به أبو بكر عمر رضي اللّه عنهما بقوله : ليكون العبد راغبا راهبا لا يتالى على اللّه ،
--> ( 1 ) أخرجه ابن ماجة ( زهد 20 ) وأحمد بن حنبل ( 6 ، 159 ، 205 ) .